أحداث المملكة _ فايز الشاقلدي
تمرّ اليوم ثلاثة أعوام كاملة على أحداث السابع من أكتوبر، وغزة الغارقة في ركامها تنزف بلا توقف، دافعةً الفاتورة الأكثر دموية وقسوة في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة.
كان ذلك الفجر بمثابة جرس إنذار أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، بعد أن تراجعت طويلًا أمام ملفّات المنطقة والعالم. وانقسم العالم بين مؤيّد للعملية بوصفها مقاومة للاحتلال، ورافض لها بسبب ما رافقها من قتل وأسر، فيما حاول آخرون الفصل بين حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، وبين الواقع المأساوي الذي كان يعيشه الشعب الفلسطيني برمّته.
لكن السابع من أكتوبر لم يبقَ عمليةً عسكريةً محدودة، بل فتح حربًا واسعة امتدت من غزة إلى لبنان والعراق واليمن ودول الشرق الأوسط، ووصلت إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ومع مرور ما يقارب ثلاثة أعوام، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا حقّقت العملية للقضية الفلسطينية؟ وماذا خسر الفلسطينيون في المقابل؟
"أحداث المملكة " استطلعت آراء الخبير الإقتصادي منير دية ، في محاولة للإجابة عن سؤال يتجاوز ما بعد 7 أكتوبر نفسه إلى ما خلّفه بعد 3 سنوات، وما إذا كانت المنطقة تتجه إلى تسوية جديدة، أو إلى مرحلة أطول من الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى.
يوضح دية أن تداعيات أحداث السابع من أكتوبر لم تقتصر على الجانب السياسي والأمني، بل امتدت آثارها إلى اقتصادات المنطقة والعالم، مع اتساع رقعة الصراع وتداخل ساحات المواجهة في المنطقة.
وأكد دية أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر، بما في ذلك امتداد المواجهات إلى شمال لبنان واليمن وإيران، خلقت تداعيات اقتصادية مترابطة، انعكست بصورة واضحة على حركة التجارة العالمية وسلاسل التوريد والشحن.
وأشار إلى أن اضطرابات الملاحة وتهديد طرق التجارة البحرية، ولا سيما في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، تؤدي إلى ارتفاع كلف النقل والتأمين وإطالة مسارات الشحن، الأمر الذي ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات في الأسواق العالمية.
وبحسب دية، فإن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط يضغط كذلك على أسعار النفط والطاقة عالمياً، ما يرفع كلف الإنتاج والنقل ويؤثر في معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على استيراد الطاقة.
ولفت إلى أن الأسواق المالية تأثرت بدورها بحالة عدم اليقين، مع حدوث تقلبات في أسواق رأس المال نتيجة مخاوف المستثمرين من استمرار الحرب واتساع نطاقها، الأمر الذي ينعكس أيضاً على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دول المنطقة.
تباطؤ النمو وتأجيل المشاريع
وأكد دية أن استمرار التوترات يدفع بعض الدول والشركات إلى إعادة تقييم خططها الاستثمارية، بما في ذلك تأجيل أو إيقاف بعض المشاريع الرأسمالية، في وقت تتعرض فيه الموانئ وقطاعات الشحن والتجارة لضغوط إضافية.
وختم بالقول إن تداعيات السابع من أكتوبر باتت تمثل سلسلة مترابطة من التأثيرات الاقتصادية، تبدأ من اضطراب حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، مروراً بأسعار الطاقة والأسواق المالية، وصولاً إلى النمو الاقتصادي والاستثمار والتجارة العالمية، ما يجعل استقرار المنطقة عاملاً مؤثراً في أداء الاقتصاد العالمي.
ومن الناحية الإستراتيجية فسر مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب الدكتور سعود الشَرَفات ، أن 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 شكّل لحظة انكشاف استراتيجي للشرق الأوسط، فقد دحض افتراضات أن الصراع الفلسطيني يمكن احتواؤه بينما تمضي المنطقة نحو التطبيع والتكامل، وأعاد القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة الدولية، وفتح سلسلة من المواجهات أعادت تعريف الردع وحدود القوة الإسرائيلية والأميركية.
ومع انتقال الصراع من غزة إلى الإقليم، ثم إلى مواجهة مباشرة، تسارعت إعادة توزيع القوة، وتبدلت حسابات التحالفات، وبرز نظام إقليمي أكثر تعدداً وأقل قابلية للاحتواء والسيطرة.
وبعد إجراء محاولات لإستطلاع رأي سياسين تبين أن الخطاب قد إختلف عن بداية الحرب قبل ثلاث سنوات ،منهم من يرى في 7 أكتوبر انفجاراً لمسار تاريخي طويل من الاحتلال والمقاومة، ومنهم من إعتبره مغامرة دفعت غزة ثمناً باهظاً لها، ومن يقرأ نتائجه باعتبارها لحظة أعادت رسم حدود القوة "الإسرائيلية" وأدوار الولايات المتحدة في المنطقة، تتعدد زوايا النظر إلى ما جرى وإلى ما يمكن أن يأتي بعده.
وهنا أصبح لدينا اتجاهين فريق يرى أن الموقف يجب أن يكون مع فلسطين لا بالضرورة مع حركة المقاومة وفريق يرى أن ما جرى جزء من مؤامرة تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية، ويستند في ذلك إلى حجم الخسائر التي تعرّضت لها غزة والمقاومة.
عام على خطة ترامب لغزة
وبعد عام من إطلاق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء حرب غزة، تراوح الخطة مكانها إذ تواصل "إسرائيل" شن هجمات شبه يومية وتحتل نحو ثلثي القطاع المدمر، حيث يواجه الفلسطينيون أوضاعا مأساوية.
وأفضت المرحلة الأولى من الخطة إلى وقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر تشرين الأول 2025، وأسفرت عن إطلاق سراح آخر الرهائن المتبقين الذين احتجزتهم حركة المقاومة في هجمات 2023 على "إسرائيل"، إلى جانب الإفراج عن مئات السجناء والمعتقلين الفلسطينيين لدى الاحتلال .
ماذا عن إعادة الإعمار؟
لا يزال الفلسطينيون ينبشون وسط أنقاض المباني المدمرة بحثا عن مواد يستخدمونها في تدعيم الخيام وغيرها من الملاجئ.
وكشف مجلس السلام عن خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لبدء إعادة إعمار غزة.
ويمثل هذا المبلغ جزءا يسيرا من الاحتياجات الفعلية. واستشهد مجلس السلام بتقييم صادر عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
