الرئيسية / اقتصاد
اقتصاد

كهرباء المنازل.. خطر صامت بعد فاجعة أطفال الزرقاء

كهرباء المنازل.. خطر صامت بعد فاجعة أطفال الزرقاء

مطالبات بفحوصات دورية للتمديدات الكهربائية ووقف التوصيلات العشوائية

- الدفاع المدني: التماس الكهربائي وعبث الأطفال وسوء استخدام الأجهزة الكهربائية تتصدر اسباب الحرائق المنزلية

 

- أبو تايه يحذر من تجاهل مجموعة من العلامات التي يمكن أن تشير لوجود مشكلة بالشبكة الكهربائية

 

الزرقاء – جلال أبو صالح

 

لم تكن النيران التي اندلعت داخل أحد منازل محافظة الزرقاء قبل فترة قصيرة مجرد حادث حريق عابر؛ فقد انتهت المأساة بوفاة ثلاثة أطفال، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف السلامة الكهربائية داخل المنازل، وطرحت تساؤلات حول مدى إمكانية اكتشاف الأعطال قبل أن تتحول إلى حريق يحصد الأرواح.

 

ومع تداول الحديث الرسمي بارتباط الحريق بخلل أو تماس كهربائي، تتجه الأنظار إلى ما هو أبعد من تفاصيل الحادثة: كيف تُفحص التمديدات الكهربائية في المنازل؟ وهل توجد فحوصات دورية للشبكات المنزلية؟ ومن يتحقق من سلامة التمديدات في الأبنية والمنازل القديمة؟ وماذا يفعل المواطن عندما تظهر مؤشرات على وجود خلل كهربائي؟

 

فالمشكلة لا تبدأ بالضرورة لحظة اشتعال النار؛ فقد تسبقها بفترة طويلة علامات قد تبدو بسيطة، كسلك متضرر، أو مقبس ترتفع حرارته، أو توصيلة محملة بأجهزة متعددة، أو تمديد كهربائي جرى بطريقة غير آمنة.

 

* الخطر يبدأ قبل الشرارة

 

داخل المنازل، تتزايد أعداد الأجهزة الكهربائية المستخدمة مقارنة بما كانت عليه عند إنشاء كثير من الأبنية. أجهزة التكييف والتدفئة، السخانات، الأفران، الغسالات، الثلاجات، أجهزة الحاسوب والشواحن وغيرها، أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، ما يعني ارتفاع الأحمال الكهربائية على الشبكات المنزلية.

 

لكن زيادة عدد الأجهزة لا تعني بالضرورة أن التمديدات والقواطع الكهربائية في المنزل جرى تحديثها بما يتناسب مع الأحمال الجديدة.

 

وهنا تظهر أهمية الفحص الفني، خصوصاً في المنازل القديمة أو تلك التي أضيفت إليها تمديدات جديدة على مراحل.

 

فبعض الأعطال قد لا تكون ظاهرة للعين المجردة؛ إذ يمكن لخلل في الأسلاك أو نقاط التوصيل أو القواطع أن يستمر لفترة دون أن يلفت انتباه سكان المنزل، قبل أن يتطور إلى ارتفاع في الحرارة أو شرارة أو حريق.

 

* الأرقام ترسم مشهد المشكلة

 

وتشير التقارير الرسمية الصادرة عن مديرية الدفاع المدني  إلى أن التماس الكهربائي والأعطال الناجمة عن الأحمال الزائدة تأتي في صدارة الأسباب المؤدية إلى نشوب حوادث الحريق داخل المنازل في الأردن.

 

وعلى الرغم من أن التقارير الإحصائية السنوية للمديرية تدرج حرائق المنازل عموماً ضمن إجمالي حوادث الإطفاء السنوية (التي تتجاوز  43  ألف حادث حريق سنوياً تشمل المنازل، الغابات، والأعشاب الجافة)، إلا أن البيانات التحليلية للدفاع المدني ومؤسسة المواصفات والمقاييس توضح ان السبب الرئيسي: يُعد التماس الكهربائي وسوء استخدام الأجهزة (مثل استخدام الشواحن والوصلات غير المطابقة للمواصفات وتحميل المقابس أحمالاً زائدة خاصة خلال موجات الحر الشديدة) المحرك الأساسي لحرائق المساكن.

 

ويتقاسم "التماس الكهربائي" مع "عبث الأطفال" و"الحوادث التشغيلية للمدافئ" المرتبة الأولى في مسببات الحرائق المنزلية بالأردن

 

* لماذا لا يكون الفحص الكهربائي إجراءً دورياً؟

 

وفي الوقت الذي يحرص فيه كثير من المواطنين على صيانة مركباتهم وأجهزة التدفئة والتكييف، لا تحظى الشبكة الكهربائية المنزلية بالاهتمام ذاته، رغم أن خللًا فيها قد تكون عواقبه بالغة الخطورة.

 

في هذا الجانب، يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة من الجهات المختصة: هل توجد آلية واضحة تشجع، أو تلزم في الحالات التي يحددها القانون والجهات الفنية المختصة، بإجراء فحوصات دورية للتمديدات الكهربائية، ولا سيما في الأبنية والمنازل القديمة؟

 

فالفحص الوقائي لا يعني انتظار حدوث المشكلة، وإنما البحث عنها قبل أن تتحول إلى خطر.

 

ويشمل الفحص، بحسب الحالة الفنية للشبكة، الأسلاك والقواطع والمقابس ونقاط التوصيل، والتأكد من تناسب الأحمال الكهربائية مع قدرة الشبكة، ومعالجة أي تمديدات عشوائية أو غير آمنة.

 

* المنازل القديمة.. ملف يحتاج إلى انتباه

 

وتبرز القضية بصورة أكبر في الأبنية والمنازل التي مضى على إنشائها سنوات طويلة. فبعض هذه المنازل شهد على مدار السنوات إضافات وتعديلات، سواء ببناء غرف جديدة أو تركيب أجهزة كهربائية إضافية أو تمديد خطوط جديدة، دون أن تكون الشبكة الأصلية مصممة بالضرورة لاستيعاب الأحمال الحالية.

 

كما أن إجراء الإصلاحات بواسطة أشخاص غير مختصين، أو استخدام مواد وتمديدات غير مطابقة للمواصفات، قد يحول شبكة الكهرباء من وسيلة أساسية للحياة اليومية إلى مصدر خطر صامت.

 

لذلك تبرز أهمية التأكد من أن أي تعديل أو إصلاح كهربائي يتم بواسطة فني مؤهل، وباستخدام مواد ومعدات مطابقة للمواصفات المعتمدة.

 

* الدفاع المدني: افصل التيار ولا تستخدم الماء

 

وفي إطار إرشاداته للتعامل مع الحرائق الكهربائية، نشرت مديرية الدفاع المدني عبر منصاتها التوعوية مجموعة من الإجراءات التي ينبغي اتباعها عند وقوع حريق من هذا النوع.

 

وتشدد الإرشادات على فصل التيار الكهربائي فورًا، وعدم استخدام الماء للتعامل مع الحريق حتى التأكد من فصل التيار الكهربائي، نظراً إلى مخاطر استخدام المياه في وجود تيار كهربائي.

 

كما توصي إرشادات الدفاع المدني باستخدام طفاية البودرة أو ثاني أكسيد الكربون لمكافحة الحريق الكهربائي، والتواصل مع الرقم الموحد للطوارئ 911 عند الحاجة إلى تدخل فرق الدفاع المدني.

 

وتكتسب هذه الإرشادات أهمية خاصة داخل المنازل، حيث قد يؤدي التعامل الخاطئ مع حريق كهربائي إلى زيادة الخطر بدل السيطرة عليه، خصوصًا إذا حاول أحد أفراد الأسرة استخدام الماء قبل فصل التيار.

 

لكن الإجراء الأكثر أهمية يبقى الوقاية، من خلال اكتشاف الخلل الكهربائي ومعالجته قبل أن يصل إلى مرحلة الاشتعال.

 

*مؤشرات لا يجوز تجاهلها

 

ويحذر المتخصص في قطاع الطاقة الكهربائية، منذر أبو تايه، عبر "أحداث المملكة"، من تجاهل مجموعة من العلامات التي يمكن أن تشير إلى وجود مشكلة في الشبكة الكهربائية.

 

ويشير إلى أن من أبرز هذه العلامات سخونة المقابس أو المفاتيح بصورة غير طبيعية، وظهور رائحة احتراق أو ذوبان في البلاستيك، وصدور أصوات طقطقة أو أزيز من المقابس والقواطع، وتغير لون أحد المقابس أو المفاتيح، إضافة إلى تكرار فصل القاطع الكهربائي.

 

ويؤكد أبو تايه أن هذه المؤشرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أعطالًا بسيطة يمكن تأجيلها، بل تستدعي وقف استخدام الجزء المتضرر والاستعانة بفني مختص لتقييم الشبكة ومعالجة الخلل.

 

* "المشترك الكهربائي" ليس حلاً دائماً

 

ومن أكثر الممارسات المنزلية التي تستحق التوعية استخدام الوصلات والمشتركات الكهربائية لتشغيل عدد كبير من الأجهزة من مقبس واحد.

 

ويقول أبو تايه إن ازدياد عدد الأجهزة الكهربائية داخل المنازل دفع بعض الأسر إلى الاعتماد على المشترك الكهربائي كحل دائم، في حين أن قدرة هذه الوصلات محدودة، ويجب استخدامها وفق مواصفاتها وطبيعة الأجهزة المتصلة بها.

 

ويضيف أن المخاطر تزداد عند توصيل مشترك كهربائي بآخر، أو استخدام وصلات رديئة أو تالفة، أو تشغيل أجهزة ذات استهلاك مرتفع من خلال توصيلة غير مناسبة.

 

* من المسؤول عن الوقاية؟

 

تفتح فاجعة الأطفال الثلاثة في الزرقاء بابا أوسع حول مفهوم المسؤولية في مجال السلامة الكهربائية. فالمواطن تقع عليه مسؤولية عدم إجراء التعديلات العشوائية وعدم تجاهل علامات الخطر، فيما تقع على الفني مسؤولية تنفيذ الأعمال الكهربائية وفق الأصول والمواصفات، بينما تتحمل الجهات الرسمية والمؤسسات المعنية مسؤولياتها في مجالات الرقابة والتوعية وتطبيق اشتراطات السلامة، كلٌّ ضمن اختصاصه.

 

كما تبرز أهمية دور الدفاع المدني في التوعية بإجراءات الوقاية والاستجابة للحرائق، إلى جانب الجهات المعنية بقطاع الكهرباء والبلديات والجهات الرقابية.

 

وتبرز هنا الحاجة إلى حملات توعوية أكثر استهدافا، لا تقتصر على التحذير العام من مخاطر الكهرباء، وإنما تقدم للمواطن إرشادات عملية حول كيفية اكتشاف مؤشرات الخطر، ومتى يجب وقف استخدام الشبكة أو جزء منها، ومتى يتوجب الاستعانة بفني مختص.

 

هل نحتاج إلى حملة وطنية لفحص المنازل؟

 

في أعقاب الحادثة، تتجدد المطالبات بإطلاق حملات لفحص السلامة الكهربائية في المنازل، خصوصًا القديمة منها، ورفع وعي الأسر بالمخاطر الناجمة عن التمديدات غير الآمنة.

 

وقد تبدأ مثل هذه الحملات من الأبنية القديمة والمنازل التي شهدت توسعات أو تغييرات كبيرة في شبكاتها الكهربائية، بالتوازي مع دراسة آليات تشجع المواطنين على إجراء الفحوصات الفنية، وتوفير معلومات واضحة حول الجهات والفنيين المؤهلين لتنفيذها.

 

كما يمكن أن تتضمن حملات التوعية إرشادات حول الأحمال الكهربائية، وأجهزة الحماية، والاستخدام الآمن للوصلات والمشتركات، والتعامل مع الحرائق، وأهمية توفير وسائل إطفاء مناسبة، وعدم محاولة معالجة الأعطال الخطرة بصورة فردية.

 

* لا تنتظروا الحريق

 

المأساة التي شهدتها الزرقاء تضع قضية السلامة الكهربائية أمام اختبار حقيقي: هل ننتظر وقوع حريق جديد حتى نراجع سلامة شبكات المنازل، أم نبدأ بالفحص والوقاية قبل وقوع الكارثة؟

 

فبين المنازل القديمة، والتمديدات التي جرى تعديلها على مدار سنوات، وتزايد الأحمال والأجهزة الكهربائية، تبدو الحاجة واضحة إلى نقل التعامل مع السلامة الكهربائية من رد الفعل بعد وقوع الحوادث إلى ثقافة الفحص والوقاية قبل وقوعها.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجهات المختصة: هل آن الأوان لوضع برنامج أكثر شمولًا لفحص السلامة الكهربائية في المنازل، خصوصًا القديمة منها، وتحويل الوقاية من حرائق الكهرباء إلى مسؤولية مجتمعية مستمرة، لا إلى إجراءات تبدأ بعد وقوع الفاجعة؟

مقالات ذات صلة