العقبة ليست مجرد مدينة على خارطة الوطن. وليست مجرد شاطئ يحتضن البحر الأحمر. وليست مجرد ميناء يستقبل السفن والبضائع.
العقبة أكبر من ذلك بكثير.
العقبة حكاية وطن وذاكرة أجيال. وهوية مدينة صنعت مكانتها بالتاريخ والعمل والانتماء. العقبة ركيزة وطنية وثقل اقتصادي وموقع استراتيجي وواجهة الأردن البحرية إلى العالم. في العقبة يلتقي البحر بالتاريخ. وتلتقي الجغرافيا بالاقتصاد. وتلتقي حركة التجارة بطموح الاستثمار. وتلتقي أصالة المكان برؤية المستقبل. العقبة بوابة الأردن البحرية. ومحور مهم في حركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية. ومركز للسياحة والاستثمار والصناعة والخدمات. ومكوّن أساسي في منظومة الاقتصاد الوطني.
ولهذا فإن الحديث عن العقبة لا يمكن أن يكون حديثاً عن مدينة بمعزل عن الوطن. فمكانتها تتجاوز حدودها الجغرافية. وأهميتها تتصل مباشرة بمصالح الأردن الاقتصادية والاستراتيجية. وكل تقدم تحققه العقبة هو قيمة مضافة للوطن. وكل فرصة تنموية تنشأ فيها هي فرصة جديدة للأردن. وكل نجاح تحققه هو جزء من نجاح الاقتصاد الوطني.
لكن العقبة ليست موقعاً وميناء واقتصاداً فقط. العقبة قبل كل ذلك إنسان. والإنسان هو الذي يصنع للمدن روحها. وأبناء العقبة هم الذاكرة الحية لهذه المدينة. وهم الذين عرفوا شوارعها وأحياءها وأسواقًا. وعاشوا تفاصيلها وحملوا همومها وصانوا إرثها وساهموا في بناء حاضرها.
ومن صفحات هذا التاريخ التي أعتز بها شخصياً أن بلدية العقبة تعد أقدم البلديات في المملكة. وكان لجدي حوات السطوحي شرف أن يكون أول رئيس لبلدية العقبة عام ١٩١٧. وهي صفحة أذكرها بكل فخر واعتزاز. ليس لأنها جزء من تاريخ عائلتي فقط. بل لأنها جزء من تاريخ مدينة أحبها وأعتز بالانتماء إليها. فخدمة العقبة في بدايات العمل البلدي كانت مسؤولية وشرفاً. وكان الرجال الذين حملوا تلك المسؤولية يعملون بإمكانات محدودة. لكن بإرادة كبيرة وبإيمان عميق بأن خدمة المدينة هي خدمة للوطن. ومن حق أولئك الرواد علينا أن نذكرهم بالوفاء. وأن نقرأ تاريخهم بعين التقدير. وأن ندرك أن المدن العظيمة لا تبدأ من فراغ. بل تبدأ برجال يؤمنون بها. ويضعون اللبنات الأولى في مسيرتها. ثم تأتي الأجيال لتبني فوق ما تركوه من إرث وتجربة وعطاء.
واليوم تقف العقبة أمام مرحلة جديدة من تاريخها. مرحلة تتطلب أن نقرأ المستقبل بوعي. وأن نعرف أن مكانة العقبة تفرض مسؤولية بحجم هذه المكانة. العقبة تستحق اقتصاداً قوياً ومتطوراً. وتستحق استثماراً حقيقياً يفتح أبواب العمل. وتستحق سياحة تليق بمقوماتها. وتستحق تجارة مزدهرة. وتستحق خدمات لوجستية متقدمة. وتستحق بنية تحتية تواكب طموحها. وتستحق أن يكون أبناؤها شركاء حقيقيين في صناعة مستقبلها. فالتنمية التي لا يشعر بها أبناء المدينة تبقى ناقصة. والاقتصاد الذي لا يفتح آفاقاً أمام شبابها يحتاج إلى مزيد من العمل. والاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق قيمة وفرصاً ويعزز قدرة الإنسان على بناء مستقبله. العقبة تحتاج إلى أبنائها. وتحتاج إلى خبراتهم. وتحتاج إلى طموح شبابها. وتحتاج إلى تجارها وأصحاب أعمالها. وتحتاج إلى حرفييها وعمالها. وتحتاج إلى مثقفيها وأكاديمييها. وتحتاج إلى كل إنسان يرى في هذه المدينة جزءاً من هويته ومسؤوليته. فأبناء العقبة ليسوا مجرد سكان فيها.
هم شركاء في قصتها
وحراس ذاكرتها وصناع مستقبلها.
وكما كان لرجال الأمس شرف وضع اللبنات الأولى. فإن أبناء اليوم يحملون مسؤولية البناء والتطوير. وأبناء الغد سيحملون أمانة المحافظة على ما تحقق وإضافة صفحات جديدة إلى تاريخ هذه المدينة.
العقبة ليست ملكاً لجيل واحد. إنها أمانة الأجيال. وتاريخها ليس مجرد ذكريات تروى بل مسؤولية تحفظ. ومستقبلها ليس حلماً يقال بل مشروع يحتاج إلى إرادة وعمل وتخطيط وانتماء.
ومن هنا فإن حب العقبة لا يكون بالكلمات وحدها. بل بالعمل من أجلها
والدفاع عن مصالحها. والحفاظ على صورتها ودعم أبنائها وتعزيز اقتصادها وصون تاريخها.
والإيمان بقدرتها على أن تكون دائماً في مقدمة المدن الوطنية والاقتصادية. العقبة ليست جنوب الأردن فقط. العقبة جزء من قلب الأردن الاقتصادي. وواجهته البحرية وبوابته التجارية ومخزونه السياحي والاستثمار وأحد مفاتيح مستقبله الاقتصادي.
ومن يعرف قيمة العقبة يعرف أن النهوض بها ليس شأناً محلياً فقط.
بل هو استثمار في قوة الأردن وفي اقتصاده وفي مستقبله. ومن يعرف تاريخ العقبة يعرف أيضاً أن أعظم ما فيها ليس البحر وحده. ولا الميناء وحده. ولا الموقع وحده. بل الإنسان الذي عاش فيها وخدمها وحمل اسمها ودافع عن مكانتها. وترك لأبنائه إرثاً من الانتماء والعمل والوفاء.
لهذا ستبقى العقبة في القلب. وستبقى في وجدان الوطن. وستبقى مدينة البحر والتجارة والتاريخ. وستبقى ركيزة وطنية واقتصادية واستراتيجية. وسيظل أبناؤها امتداداً حياً لتاريخها. وسيظل تاريخ رجالها أمانة في أعناق أجيالها. العقبة الحبيبة ليست مدينة في وطن.
العقبة جزء من قوة الوطن. وليست صفحة في تاريخ الأردن. بل صفحة مضيئة من تاريخه. وليست مجرد مكان نعيش فيه. بل وطن صغير نحمله في القلب.
حفظ الله العقبة وأهلها.
وحفظ أبناءها الذين كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من مسيرتها. وحفظ الأردن عزيزاً شامخاً بقيادته وشعبه. العقبة تستحق الكثير. لأنها أعطت الوطن الكثير. وأبناؤها يستحقون أن يكونوا في قلب مستقبلها. لأنهم كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من تاريخها وحاضرها ومستقبلها.
