داود حميدان -منذ أن رست الباخرة السياحية «أرويا» (AROYA) في ميناء العقبة، صباح الجمعة، لم يكن المشهد مجرد وصول سفينة سياحية جديدة إلى المدينة، بل بداية حركة اقتصادية امتدت من الميناء إلى الأسواق، والمطاعم، ووسائل النقل، والمواقع السياحية في العقبة والبتراء ووادي رم.
وعلى متن «أرويا» وصل نحو 3400 سائح، غالبيتهم من الجنسية السعودية، إضافة إلى نحو 1200 من أفراد الطاقم، في مشهد يعكس حجم الفرصة التي تمثلها السياحة البحرية للاقتصاد المحلي، وقدرة العقبة على استقبال أعداد كبيرة من الزوار وتحويلها إلى حركة سياحية وتجارية وخدمية واسعة.
آلاف الزوار.. وحركة اقتصادية تتوزع في الجنوب
منذ ساعات الصباح، بدأت حركة نقل الزوار من محطة السفن السياحية إلى وسط العقبة، فيما توجهت حافلات أخرى إلى البتراء ووادي رم، إلى جانب جولات داخل المدينة.
وجرى تخصيص 9 حافلات للنقل بين محطة السفن ووسط العقبة، و8 حافلات باتجاه البتراء، وحافلتين إلى وادي رم، إضافة إلى 10 حافلات للجولات السياحية داخل المدينة.
هذه الأرقام تعطي صورة واضحة عن حجم النشاط الذي يمكن أن تولده زيارة سفينة واحدة؛ فالسياحة البحرية لا تتوقف عند بوابة الميناء، وإنما تفتح سلسلة من الفرص أمام قطاعات متعددة، تبدأ بالنقل السياحي وتمتد إلى المطاعم والمقاهي والأسواق والمحال التجارية والمرشدين وشركات الرحلات والمواقع السياحية.
العقبة.. حين تتحول السياحة إلى حركة في السوق
القيمة الاقتصادية للسياحة البحرية لا تقاس فقط بعدد السياح الذين يدخلون المدينة، بل بمدى استفادة الاقتصاد المحلي من وجودهم.
فكل مجموعة سياحية تتحرك داخل العقبة تعني طلباً على النقل، وكل جولة سياحية تعني نشاطاً لشركات تنظيم الرحلات، وكل زيارة إلى أحد المواقع تعني إنفاقاً على التذاكر والخدمات، فيما تمثل الأسواق والمطاعم والمحال التجارية جزءاً أساسياً من تجربة الزائر.
ومن هنا، فإن زيادة السفن السياحية القادمة إلى العقبة يمكن أن تشكل رافعة مهمة للقطاع السياحي، خصوصاً عندما تتكامل الرحلة البحرية مع تجربة سياحية واقتصادية داخل المدينة والجنوب.
«أرويا».. سياحة بحرية وسوق مفتوح
وتكتسب زيارة «أرويا» أهمية إضافية لكون غالبية ركابها من السعودية، بما يعكس فرص التقارب بين الأسواق السياحية في المنطقة، ويؤكد أهمية استثمار العقبة في موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية لاستقطاب المزيد من الرحلات البحرية.
وأكد مفوض شؤون السياحة والشباب في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، ثابت النابلسي، أهمية استقبال السفن السياحية في تعزيز مكانة العقبة كوجهة رئيسية للسياحة البحرية، مشيراً إلى أن زيارة «أرويا» تأتي ضمن الجهود الرامية إلى تنشيط الحركة السياحية واستقطاب المزيد من الزوار عبر الرحلات البحرية.
وأشار النابلسي إلى انعكاس حركة السفن السياحية على القطاعات التجارية والخدمية المرتبطة بالنشاط السياحي، مؤكداً استمرار العمل على استقطاب المزيد من السفن والرحلات السياحية إلى العقبة.
الفرصة الأكبر.. ماذا تنفق السفينة في العقبة؟
وراء كل سفينة سياحية تصل إلى العقبة سؤال اقتصادي أكبر:
كم تستطيع المدينة أن تحوّل من هذا التدفق السياحي إلى إنفاق داخل اقتصادها المحلي؟
وهنا تكمن المرحلة المقبلة من تطوير السياحة البحرية؛ فزيادة أعداد السفن مهمة، لكن الأهم هو رفع العائد الاقتصادي من كل زيارة، عبر تقديم تجارب سياحية متنوعة، وربط الزائر بالمنتج المحلي، وتنشيط الأسواق، وتشجيع السياح على اكتشاف العقبة وقضاء وقت أطول فيها.
فالعقبة لا تملك البحر وحده؛ بل تملك موقعاً استراتيجياً، وأسواقاً، ومطاعم، وتجارب بحرية، وقرباً من البتراء ووادي رم، وهي عناصر يمكن أن تجعل من كل زيارة بحرية فرصة اقتصادية تمتد آثارها إلى مختلف قطاعات الجنوب.
من الميناء تبدأ القصة.. لكن الاقتصاد يجب أن يكملها
وصول «أرويا» يضع أمام العقبة صورة واضحة لما يمكن أن تصنعه السياحة البحرية عندما تتحول حركة الزوار إلى حركة في السوق.
3400 سائح و1200 من أفراد الطاقم في زيارة واحدة، تعني أكثر من أرقام في سجل الميناء؛ إنها فرصة لقطاع النقل، والأسواق، والمطاعم، وشركات الرحلات، والمواقع السياحية، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ومع استمرار تدفق السفن السياحية، تصبح المهمة الاقتصادية الأهم هي بناء منظومة تجعل الزائر لا يكتفي بالنزول من السفينة والتوجه إلى موقع سياحي، بل يعيش تجربة العقبة، ويتفاعل مع أسواقها وخدماتها ومنتجاتها، ويترك أثراً اقتصادياً ملموساً قبل أن يعود إلى البحر.
