الرئيسية / تكنولوجيا
تكنولوجيا

الدكتور حسين الخزاعي: كثرة الأصدقاء في الفضاء الرقمي لا تعني علاقات أعمق

الدكتور حسين الخزاعي: كثرة الأصدقاء في الفضاء الرقمي لا تعني علاقات أعمق

أحداث المملكة – قد يبدو المشهد للوهلة الأولى متناقضًا: هاتف لا يفارق اليد، رسائل تصل على مدار اليوم، مجموعات لا تتوقف عن التفاعل، وقائمة طويلة من الأصدقاء والمتابعين على منصات التواصل. ومع ذلك، يجد كثيرون أنفسهم أمام شعور بأنهم أقل قربًا من الآخرين.

لم يعد التواصل الاجتماعي مرهونًا بالجلوس إلى جانب شخص أو زيارته أو الحديث معه وجهًا لوجه. أصبح بالإمكان الاطمئنان على صديق برسالة قصيرة، ومشاركة تفاصيل الحياة بصورة أو مقطع، ومتابعة عشرات الأشخاص دون أن تجمعنا بهم علاقة حقيقية خارج الشاشة.

لكن كثرة الاتصال لا تعني بالضرورة عمق العلاقة.

كثرة العلاقات لا تعني قربًا أكبر

يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن اتساع دائرة العلاقات لا يعني بالضرورة قوة الروابط الاجتماعية، موضحًا أن الإنسان يحتاج إلى وقت للاستماع إلى أصدقائه ومتابعة اهتماماتهم ونشاطاتهم، وهو ما يصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت دائرة العلاقات.

ويقول الخزاعي إن «كلما زاد عدد الأصدقاء، أصبح الشخص بحاجة إلى وقت أكبر للاستماع إلى ملاحظاتهم ومتابعة برامجهم ونشاطاتهم، وهذا أمر لا يستطيع الإنسان دائمًا أن يقدّر قدرته عليه ويوازنه».

وفي البيئة الرقمية، أصبحت عملية تكوين العلاقات أسرع من أي وقت مضى. فبضغطة زر يمكن أن تبدأ علاقة جديدة، وقد يتحول المتابع إلى صديق افتراضي دون أن تجمع الطرفين معرفة أو تجربة واقعية مشتركة.

الصداقات السريعة عبر الشاشات

ويصف الخزاعي المرحلة الحالية بأنها «عصر الصداقات السريعة في الفضاء الرقمي من خلال الشاشات»، محذرًا من أن هذه العلاقات تحتاج إلى الحذر، وألا تُمنح الثقة الكاملة للأشخاص الذين لا يعرفهم الفرد معرفة حقيقية.

فالمنصات جعلت التعارف أسهل، كما جعلت الانقطاع أسهل؛ إذ يمكن أن تبدأ العلاقة من تفاعل عابر وتنتهي بمجرد توقف المحادثة أو إلغاء المتابعة.

ويشير الخزاعي إلى أن بعض المستخدمين يسعون إلى تكوين أعداد كبيرة من الأصدقاء، معتبرًا أن هذا السلوك «محفوف بالمخاطر الرقمية»، خصوصًا عندما تتحول كثرة العلاقات إلى هدف بحد ذاته، من دون الانتباه إلى طبيعة الأشخاص الموجودين في هذه الدائرة ومستوى الثقة الذي يمكن منحهم إياه.

حين يصبح التواصل أسهل من اللقاء

لا يرتبط اللجوء إلى الشاشة بالتكنولوجيا وحدها، فإيقاع الحياة نفسه تغير. ساعات العمل الطويلة، والتنقل، والالتزامات الاقتصادية والعائلية، واتساع المدن، كلها عوامل جعلت اللقاءات الاجتماعية أكثر كلفة من حيث الوقت والجهد.

وتوفر المنصات الرقمية وسيلة سريعة للتواصل لا تحتاج دائمًا إلى ترتيب مسبق أو انتقال أو التزام بموعد محدد. ويمكن للشخص أن يبقى على اتصال مع آخرين رغم المسافة، وأن يحافظ على علاقات كان من الممكن أن تضعف بفعل السفر أو تغير ظروف الحياة.

لكن سهولة التواصل قد تنتج مفارقة أخرى: أن نتواصل أكثر، ونلتقي أقل.

الوحدة لا تعني غياب الآخرين

الوحدة لم تعد بالضرورة مرتبطة بغياب الناس. فقد يكون الإنسان وسط عائلته أو زملائه أو في فضاء رقمي مزدحم، ومع ذلك يشعر بأنه لا يملك شخصًا يستطيع الحديث معه بعمق.

وهنا يظهر الفرق بين عدد العلاقات وجودتها؛ فوجود عشرات الأشخاص في قائمة الأصدقاء لا يعني بالضرورة وجود شبكة اجتماعية تمنح الإنسان الشعور بالقرب والانتماء.

كما أن التواصل الرقمي لا يلغي قيمة اللقاء المباشر وما يصاحبه من تفاصيل إنسانية؛ من نبرة الصوت إلى لغة الجسد، ومن الوقت الذي يقضيه الأشخاص معًا إلى التجارب المشتركة التي تتراكم وتمنح العلاقة معناها.

ففي زمن أصبح فيه الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى، تبدو المفارقة واضحة: قد نكون أكثر اتصالًا بالعالم، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة أن نكون أكثر قربًا من بعضنا.

وربما تكمن المسألة في الفرق بين «التواصل» و«العلاقة»؛ فالأول يمكن أن يحدث بضغطة زر، أما الثانية فتحتاج إلى وقت، وحضور، وثقة، وتجربة مشتركة لا تستطيع الشاشة وحدها أن توفرها.

مقالات ذات صلة