أحداث المملكة
عند الثالثة صباحًا، تكون جرش قد دخلت يومها قبل أن تبدأ حركة السوق. في مطعم شعبي يعود إلى عام 1989، تنشغل الأيدي بتحضير الحمص والفول والخبز والشاي، فيما تتوالى الاستعدادات لاستقبال الزبائن الأوائل. ومع بداية الصباح، تبدأ الوجوه التي يعرفها المكان بالظهور؛ موظفون في طريقهم إلى أعمالهم، وزبائن اعتادوا إفطارهم هنا، وآخرون يكفي أن يقتربوا من الطاولة حتى يعرف محمد محمود الحميدي ماذا يريدون.
ليس في المشهد ما يوحي بأن وراء هذه التفاصيل اليومية حكاية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. مطبخ يعمل، طلبات تتوالى، وزبائن يدخلون ويغادرون، فيما يحتفظ المكان بإيقاع صباحي عرفه أبناء جرش منذ عام 1989.
في قلب سوق جرش
يعود محمد محمود الحميدي إلى عام 1989، حين أسس والده محمود وعمه أحمد الحميدي الرقيبات المطعم في وسط سوق جرش. وكان اختيار الموقع مرتبطًا بالحركة التجارية التي كانت تتركز في السوق، في وقت كانت فيه المدينة أبسط وأقل اتساعًا مما هي عليه اليوم.
في البدايات، كان عدد الزبائن محدودًا، ثم أخذ في الازدياد مع نمو عدد السكان وانتشار سمعة المطعم بين أبناء المدينة وزوارها. وتغير موقعه مرة واحدة فقط عندما احتاج المكان إلى أعمال صيانة، قبل أن يستقر في موقعه الحالي.
ربع دينار من زمن آخر
يتذكر محمد أن صحن الحمص أو الفول، مع الخبز والشاي، كان يكلف عام 1989 نحو ربع دينار، بينما بلغت قيمة الوجبة اليوم نحو دينار وثلاثين قرشًا.
يحكي هذا الفارق جانبًا من التحولات التي مرت بها المدينة خلال أكثر من ثلاثة عقود، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تغير حجم السوق وعدد السكان، في حين بقيت الأطعمة الأساسية في المطعم على حالها تقريبًا.
ويقول محمد إن المحافظة على نوعية الطعام وجودته ونوعية البضاعة كانت من الثوابت التي حرص عليها والده وعمه منذ البداية، مع السعي إلى تطوير العمل من دون تغيير ما اعتاده الزبائن.
جيل ثالث يكمل الحكاية
دخل محمد محمود الحميدي إلى العمل مع والده عام 1994، حين كان في مرحلة التوجيهي، لكنه لم يكمل دراسته. ومن والده وعمه أحمد تعلم تفاصيل المهنة، من إعداد الطعام إلى التعامل مع الزبائن ومعرفة إيقاع العمل في ساعات الصباح.
ومع مرور السنوات، أصبح محمد واحدًا من الوجوه المعروفة في المطعم. لم تعد علاقته بالزبائن تقتصر على تسجيل الطلبات؛ فكثير منهم صار معروفًا لديه بطلبه المعتاد، حتى إنه يستطيع أحيانًا معرفة صاحب الطبق عندما يأتي طفل لاستلامه من أجل عائلته.
ويختصر محمد جانبًا من فلسفة والده وعمه في العمل بالقول إن محبة الناس وحسن التعامل معهم كانا جزءًا أساسيًا من المهنة، مضيفًا أن أبناء جرش «صحاب نخوة وفزعة».
وجبة يعرفها أصحابها
لم يكن استمرار المطعم قائمًا على الطعام وحده. فالسنوات الطويلة صنعت علاقة مباشرة بين العاملين فيه ورواده، وجعلت الوجبة الصباحية لدى بعض العائلات عادة تتكرر جيلاً بعد آخر.
يقول أحد رواد المطعم: «هذا المكان تعودنا عليه، وأنا من الناس الذين يأتون إليه باستمرار. الذي يعجبني أن الأشياء الأساسية ما زالت كما هي؛ نفس الأكل ونفس التعامل، وتشعر أنك تدخل مكانًا تعرفه وليس مطعمًا غريبًا عنك».
ويقول آخر إن قيمة المكان تتجاوز الوجبة نفسها، لأن الزبون يأتي إلى مكان يعرفه وأناس اعتاد رؤيتهم، ولأن الطعام ارتبط لديه بصباحات قديمة في جرش.
وفي يوم الجمعة، يزداد الإقبال بصورة واضحة، ويأتي زبائن من جرش ومحافظات أخرى، فتزدحم الطاولات وتتوالى الطلبات. ويصف أحد الرواد أجواء الجمعة بأنها مختلفة، مشيرًا إلى أن «الناس تعرف بعضها، وفيها نخوة وفزعة»، وأن هذه الروح تظهر حتى في التفاصيل الصغيرة عندما يحتاج أحد إلى المساعدة.
حين يصبح الطعام جزءًا من الرحلة
تملك جرش صورة سياحية واضحة ترتبط بمدينتها الأثرية وأعمدتها ومسارحها وشوارعها القديمة، لكن تجربة المدينة لا تتوقف عند المواقع التاريخية؛ فهناك تفاصيل يومية تمنح الزائر فرصة أخرى للتعرف إلى المكان وأهله.
ويرى الأستاذ الدكتور محمد وهيب، المتخصص في علم الآثار والتراث في الجامعة الهاشمية، أن الطعام يمثل جانبًا مهمًا في قراءة تاريخ المجتمعات التي عاشت على أرض الأردن، مشيرًا إلى أن التنقيبات الأثرية كشفت عن أنواع من الأغذية والمحاصيل التي عرفها السكان عبر فترات تاريخية مختلفة.
ويشير وهيب إلى أن المطاعم الشعبية تمثل امتدادًا معاصرًا لأنماط غذائية تطورت عبر الزمن، وأن كثيرًا من السياح يرغبون في تجربة الطعام المحلي في أماكن اعتاد أبناء المدن ارتيادها، لأنها تمنحهم اتصالًا أقرب بالحياة اليومية والعادات المحلية.
وفي جرش، يمكن لهذا النوع من المطاعم أن يضيف إلى الزيارة الأثرية تجربة أكثر قربًا من الناس؛ فالزائر لا يرى المدينة من خلال آثارها فقط، بل يلتقي أيضًا بجانب من يومها العادي، حول طاولة ووجبة يعرفهما أهلها.
جرش على الطاولة
على مدى السنوات، مرّ بالمطعم أبناء من أجيال مختلفة، إلى جانب زوار وشخصيات من مجالات سياسية وثقافية وفنية واجتماعية. بعضهم كان من الزبائن المنتظمين، وبعضهم مرّ بالمكان في زيارات عابرة، لكن هذا الحضور المتنوع أصبح جزءًا من قصة المطعم.
ويرى محمد أن بقاء المطعم طوال هذه السنوات يرتبط بالحفاظ على نوعية الطعام وطريقة التعامل مع الناس، فيما تستمر محاولات تطوير العمل بما يتناسب مع متطلبات اليوم.
صباح جرش كما يعرفه أهلها
بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو حكاية المطعم في تفاصيل صغيرة أكثر مما تظهر في الأرقام. زبون يدخل فيجد طلبه معروفًا، عائلة تعود إلى المكان الذي عرفته منذ سنوات، ووجبة ما زالت حاضرة في صباحات أبناء المدينة.
وفي الوقت نفسه، يضيف المطعم تفصيلًا قريبًا إلى الصورة السياحية لجرش؛ صورة لا تقتصر على المواقع الأثرية، بل تمتد إلى السوق والطعام والعلاقات التي تشكل جانبًا من الحياة اليومية.
منذ 1989، تغيرت الأسعار وكبرت المدينة وتبدلت تفاصيل كثيرة، لكن المطعم واصل أداء الدور الذي بدأ به: مكان يجتمع فيه الناس حول وجبة يعرفونها، ويعودون إليه لأنهم يعرفون أيضًا ما ينتظرهم فيه.
وفي الثالثة صباحًا، يبدأ يوم جديد للمطعم، كما يبدأ يوم جديد لجرش.
