أحداث المملكة – فايز الشاقلدي
لم يعد ملف النقل مجرد قضية خدمية عابرة تُناقش في الاجتماعات الرسمية أو تحت قبة مجلس النواب، بل بات واحدًا من الملفات التي تتقاطع فيها يوميات المواطن مع التشريع والرقابة الحكومية، بدءًا من الحصول على رخصة القيادة، مرورًا بانتشار الشاحنات داخل الأحياء السكنية، وصولًا إلى العاملين في تطبيقات النقل والتوصيل، ومكاتب تدريب السائقين، وطبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الذي يتغير بوتيرة أسرع من قدرة التشريعات على مواكبته.
الاجتماع الذي عقدته لجنة الخدمات العامة والنقل النيابية، بحضور مسؤولين حكوميين وأمنيين، كشف عن مجموعة من الملفات المتشابكة التي تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها في جوهرها تعكس سؤالًا واحدًا هل ما تزال المنظومة التنظيمية لقطاع النقل قادرة على التعامل مع الواقع الجديد واحتياجات المواطنين والعاملين فيه؟
رئيس لجنة الخدمات العامة والنقل النيابية، النائب أيمن البدادوة، وضع الإصبع على واحد من أكثر الملفات حساسية عندما قال إن الحكومة أقرت بوجود تقصير في التعامل مع ملف تطبيقات النقل والتوصيل، وهو تصريح يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش، لا سيما أن الملف، بحسب ما طرحه البدادوة، يعود إلى سنوات طويلة دون إيجاد نظام أو آلية واضحة لإدخال هذا النمط من النقل تحت مظلة القطاع.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما جرى في الاجتماع النيابي؛ فالمسألة لم تعد مجرد مطالبات من العاملين أو شكاوى من المواطنين، وإنما أصبحت أمام اعتراف حكومي بوجود فجوة تنظيمية تحتاج إلى معالجة.
البدادوة الحكومة أقرت بتقصيرها.. والملف أمام مهلة جديدة
في حديثه لـ"أحداث المملكة"، أكد النائب أيمن البدادوة أن لجنة الخدمات العامة والنقل ناقشت مجموعة واسعة من القضايا، معتبرًا أن النتائج التي خرج بها الاجتماع "مشرفة"، خصوصًا في الملفات التي تمس قطاع النقل بصورة مباشرة.
لكن الأبرز سياسيًا وتنظيميًا كان ملف تطبيقات النقل والتوصيل.
فالاعتراف بوجود تقصير حكومي في هذا الملف يعني أن قطاعًا جديدًا نشأ وتوسع وأصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطنين، بينما ظلت التشريعات والأنظمة بحاجة إلى تطوير يواكب هذا التغيير.
وبحسب البدادوة، تعهد وزير النقل ببحث الملف خلال الأسابيع المقبلة والخروج بإجراءات ونتائج واضحة.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة هل تتحول الوعود إلى نظام واضح، أم يبقى الملف أسير الاجتماعات والتعهدات؟
فالقطاع لا يحتاج فقط إلى تنظيم من أجل التنظيم، وإنما إلى قواعد واضحة تحدد حقوق العاملين وواجباتهم ومسؤوليات الشركات والتطبيقات وآليات الرقابة وطبيعة العلاقة بين العامل والمنصة والمواطن، بما يمنع ترك مساحة رمادية يستفيد منها طرف ويتحمل كلفتها طرف آخر.
الرخص.. من ملف إداري إلى قضية رأي عام
في الجهة الأخرى، حضرت قضية رخص القيادة بقوة خلال الاجتماع، وهي القضية التي تحولت في الفترة الأخيرة إلى مادة واسعة التداول بين المواطنين وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
مدير إدارة ترخيص السواقين والمركبات العميد المهندس عمر القرعان، رفض ما يثار حول وجود سياسة متعمدة لعدم إنجاح المتقدمين للحصول على رخص القيادة بهدف الجباية، مؤكدًا أن "ملف الجباية" غير وارد ضمن سياسة منح السائقين شهادة القيادة عند الإقبال للفحص.
القرعان شدد كذلك على أن الإجراءات المتبعة لم تشهد أي تغيير منذ سنوات، وأنه لا توجد سياسات جديدة أو توجيهات إلى كوادر الإدارة لتعمد عدم اجتياز المتقدمين للفحوصات المطلوبة واللازمة.
هذه النقطة تحديدًا مهمة، لأن الجدل حول الرخص تجاوز في بعض الأحيان حدود الإجراء الإداري، ليصبح مسألة ثقة بين المواطن والجهة التي تمنح الرخصة.
وفي هذا السياق، أوضح القرعان أن الرسوم التي يدفعها المواطنون تذهب إلى الخزينة العامة وليس إلى مديرية الأمن العام، في محاولة لوضع حد للرواية التي تربط صعوبة الحصول على الرخصة بهدف تحصيل رسوم إضافية.
لكن في المقابل، فإن نفي وجود سياسة للجباية لا ينهي وحده الجدل حول تجربة المواطنين في الفحص؛ فالحديث عن تكرار الفحص وتفاوت التجارب وارتفاع كلفة المحاولات يجعل من الضروري أن تكون المنظومة أكثر وضوحًا وشفافية، ليس فقط في إجراءاتها، وإنما في تفسير أسباب عدم النجاح وآليات الاعتراض وإعادة الفحص.
11% من أول مرة و14% من الثانية.. هل تكفي الأرقام لإغلاق الجدل؟
القرعان قدم خلال الاجتماع أرقامًا لافتة حول نسب النجاح، موضحًا أن نسبة النجاح من المرة الأولى فاقت 11%، فيما تجاوزت النسبة من المرة الثانية 14%، معتبرًا أن ما يوصف بالتكرار الكثير في الفحوصات يمثل نسبًا محدودة.
وفي توصيفه للجدل الدائر حول الملف، قال إن موضوع الرخصة أصبح "ترند"، وإن هناك من يتناول القضية بهدف تحقيق المشاهدات.
وهنا تتداخل قضيتان مختلفتان؛ الأولى تتعلق بحقيقة الإجراءات ونسب النجاح والرسوب، وهي قضية يمكن حسمها بالأرقام والبيانات الرسمية، أما الثانية فتتعلق بانطباعات المواطنين وتجاربهم، وهي لا يمكن التعامل معها بالكامل باعتبارها مجرد مادة للسوشال ميديا.
فالرقم الرسمي مهم، لكنه ليس كافيًا وحده لبناء الثقة. والمواطن الذي يخضع للفحص أكثر من مرة يريد أن يعرف لماذا لم ينجح، وما المطلوب منه تحديدًا، وهل المعيار موحد بين جميع المتقدمين أم لا.
ولعل التوجه الذي كشف عنه البدادوة بشأن تقليل الاعتماد على الجهد البشري في الفحص يمثل إحدى أهم النقاط في هذا الملف.
80% إلكترونيًا.. هل تنهي التكنولوجيا جدل "الاجتهاد"؟
بحسب البدادوة، هناك توجه لدى إدارة الترخيص لأن تصبح نحو 80 بالمئة من إجراءات الفحص قائمة على الأنظمة والتطبيقات الإلكترونية، مقابل 20 بالمئة للجهد البشري.
هذا التوجه، إذا جرى تطبيقه بصورة فعالة، يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا في آلية فحص السائقين.
فالاعتماد الأكبر على الأنظمة الإلكترونية يعني تقليل مساحة الاجتهاد البشري، وتوحيد المعايير، والحد من احتمالات اختلاف التقييم من فاحص إلى آخر، إضافة إلى إمكانية توثيق مراحل الفحص بصورة أدق.
لكن التكنولوجيا ليست هدفًا بحد ذاتها.
الأهم أن تكون الأنظمة الإلكترونية مصممة بطريقة تضمن العدالة والوضوح، وأن يعرف المتقدم أين أخفق، ولماذا أخفق، وما الذي يحتاج إلى تحسينه قبل المحاولة التالية.
وبمعنى آخر، فإن التحول الإلكتروني يجب ألا يكون مجرد استبدال الموظف بجهاز، بل إعادة بناء تجربة الفحص كاملة على أساس الشفافية وقابلية التحقق.
شاحنات داخل الأحياء.. 600 مخالفة في نصف عام
من الملفات التي لا تقل أهمية عن الرخص، قضية مبيت الشاحنات داخل الأحياء السكنية.
مدير إدارة السير العميد رائد العساف كشف عن ضبط نحو 600 مخالفة لمبيت شاحنات داخل الأحياء السكنية خلال النصف الأول من العام الحالي.
الرقم بحد ذاته كافٍ لإظهار حجم المشكلة، خصوصًا أن الحديث يتعلق بشاحنات يزيد وزنها على 12 طنًا، والتي يمنع مبيتها داخل المناطق السكنية وفق الأحكام المنظمة لحركة مركبات الشحن.
القضية هنا ليست مجرد مخالفة مرورية بالمعنى التقليدي، وإنما ترتبط مباشرة بالسلامة العامة وطبيعة البيئة السكنية.
وجود شاحنة ثقيلة داخل حي سكني قد يحجب الرؤية، ويعيق الحركة، ويزيد المخاطر على الأطفال والمشاة والمركبات، فضلًا عن الأضرار التي قد تنتج عن حركة هذه المركبات في شوارع لم تُصمم أصلًا لاستيعابها أثناء المبيت.
"سند" يدخل على خط الرقابة.. المواطن يتحول إلى عين إضافية
الجديد في هذا الملف أن إدارة السير فتحت أكثر من وسيلة أمام المواطنين للإبلاغ عن المخالفات، وكان آخرها إتاحة التبليغ من خلال تطبيق "سند".
العساف أشار إلى أن أول بلاغ ورد عبر التطبيق بعد تفعيل الخدمة كان متعلقًا بمبيت شاحنة في أحد الأحياء السكنية جنوب المملكة.
هذه الخطوة تعني أن الرقابة على المخالفات لم تعد محصورة في الدور الميداني للأجهزة المعنية، وإنما بات المواطن شريكًا في رصد المخالفة والإبلاغ عنها.
لكن نجاح هذا النوع من الخدمات يرتبط بسهولة تقديم البلاغ وسرعة الاستجابة ووضوح النتيجة التي وصل إليها البلاغ.
فالمواطن الذي يبلغ عن مخالفة يريد أن يشعر أن بلاغه لم يذهب إلى فراغ، وأن هناك جهة تعاملت معه بجدية وتحققت منه واتخذت الإجراء المناسب إذا ثبتت المخالفة.
ومن هنا فإن التحدي أمام إدارة السير لا يتمثل فقط في استقبال البلاغات، وإنما في بناء منظومة استجابة تجعل استخدام الخدمة سلوكًا مستمرًا وفعالًا.
من الشاحنة إلى السائق.. مسؤولية مشتركة عن السلامة
في ملف الشاحنات، يبدو واضحًا أن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط.
فوجود مئات المخالفات خلال نصف عام يشير إلى حاجة أكبر إلى تنظيم أماكن مبيت الشاحنات وتوفير بدائل مناسبة وتعزيز الرقابة في المناطق التي تتكرر فيها المخالفات.
وفي الوقت نفسه، فإن أصحاب الشاحنات مطالبون بالالتزام بالقانون وعدم تحويل الأحياء السكنية إلى مواقف ليلية للمركبات الثقيلة.
أي معالجة ناجحة يجب أن تجمع بين الردع والتنظيم وتوفير البدائل، لأن منع المخالفة من دون معالجة أسبابها قد يدفعها إلى الانتقال من مكان إلى آخر.
"طلبات" وقطاع النقل.. التأمين على صفيح ساخن
أما الملف الأكثر ارتباطًا بالبعد الاجتماعي، فيتمثل في العاملين في تطبيقات النقل والتوصيل، وعلى رأسها العاملون في "طلبات"، إضافة إلى العاملين في قطاع النقل ممن هم خارج نطاق التغطية التأمينية.
وزير النقل نضال القطامين كشف عن مقترحات لإعادة النظر في آليات التأمين، بحيث يتم تخفيض نسب التغطية من 100 بالمئة إلى 75 أو 50 بالمئة، مع توفير الحد الأدنى من الحماية، خصوصًا في حالات الإصابات والعجز، وإتاحة خيار رفع التغطية لمن يرغب.
هذا الطرح يعكس محاولة لتحقيق توازن صعب بين كلف التأمين من جهة، وحماية العاملين من جهة أخرى.
فالعامل في قطاع النقل والتوصيل يعمل في بيئة تحمل مخاطر واضحة، وفي مقدمتها حوادث السير والإصابات والعجز، وبالتالي فإن أي نظام تأميني يجب أن يأخذ طبيعة العمل بالحسبان.
وفي المقابل، فإن رفع كلفة التأمين إلى مستويات قد لا يستطيع العامل تحملها يمكن أن يدفع بعض العاملين إلى الخروج من المظلة التأمينية أصلًا.
ومن هنا جاءت فكرة الشرائح أو المستويات المختلفة للتغطية، بحيث لا يصبح التأمين خيارًا مكلفًا يبعد العاملين عنه، ولا يصبح في الوقت نفسه حماية شكلية لا توفر الحد الأدنى من الأمان.
القطامين وصف الملف بأنه "على صفيح ساخن"، مؤكدًا أن العمل مستمر بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والجهات المعنية، مع الإشارة إلى أن النتائج ستكون قريبة.
القطاع الجديد يحتاج قانونًا جديدًا في التفكير
المشهد الذي خرج من الاجتماع النيابي لا يتعلق بملف واحد.
نحن أمام قطاع يتغير بسرعة؛ تطبيقات نقل وتوصيل، سائقون يعملون عبر المنصات، شاحنات تتحرك داخل المدن، سائقون جدد يبحثون عن الرخصة، مكاتب تدريب، أنظمة إلكترونية للفحص، ومواطن يريد خدمة أسرع وأكثر عدالة.
وفي المقابل، هناك تشريعات وإجراءات تحتاج إلى التطوير المستمر.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في تعديل مادة هنا أو نظام هناك، وإنما في بناء تصور متكامل لقطاع النقل.
وما قاله البدادوة حول تعديل المدد الزمنية لرخص الفئة السادسة ومعالجة الإشكالات المرتبطة بإصدارها، إلى جانب ملفات مكاتب تدريب السائقين، يؤكد أن المشكلات ليست منفصلة عن بعضها.
مكاتب التدريب.. الحلقة التي تسبق الفحص
تلقت اللجنة النيابية، وفق البدادوة، شكاوى تتعلق بآلية التعامل مع مكاتب تدريب السائقين، مع وجود تعهد بمعالجة الإشكالات المتعلقة بالترخيص والعمل.
كما طُرح موضوع تمكين أصحاب القدرة المالية من فتح مكاتب جديدة وفق الإجراءات المعتمدة، ومعالجة أوضاع من لا يملكون القدرة المالية على فتح مكاتب جديدة.
وهذا الملف مهم لأن عملية تدريب السائق تبدأ قبل أن يصل المتقدم إلى قاعة الفحص.
فإذا كان التدريب غير متاح بصورة عادلة، أو كانت فرص الوصول إلى مكاتب التدريب محدودة، فإن أي حديث عن رفع نسب النجاح يجب أن يبدأ من جذور العملية وليس من نهايتها.
الغرامة المتداولة.. 3000 دينار بين الحقيقة والتداول
وفي خضم الجدل حول تنظيم تطبيقات النقل، برزت كذلك مسألة الغرامة التي جرى تداولها بقيمة 3000 دينار على سائقي تطبيقات النقل.
البدادوة أوضح أن الحديث يتعلق بتطبيقات النقل الذكية وليس تطبيقات التوصيل، مشيرًا إلى وجود نظام صدر عام 2025 ويتضمن عقوبات، إلا أن قيمة العقوبة، وفق ما أُبلغت به اللجنة، لا تصل إلى الرقم المتداول وهو 3000 دينار.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الفصل بين ما هو منصوص عليه رسميًا وما يتم تداوله عبر المنصات الرقمية.
فقطاع النقل أصبح شديد الحساسية تجاه أي معلومة تتعلق بالغرامات أو الرسوم أو التأمين، لأن انعكاساتها لا تتوقف عند السائق أو الشركة، وإنما تمتد إلى المواطن وكلفة الخدمة وفرص العمل.
